يوم البارحة ما أجمله
أول يوم في الشهر
حينها يحين موعد صرف المرتب بعد عمل دام لمدة شهر
و كم يدرك المرء حينها كم كان في نعمة عندما كان أبواه يصرفان عليه
و مع أول تلامس بين المرتب و أطراف أنامل اليد تنهال الأفكار عما يمكن أن أفعله بالمرتب لأجد مئات الأشياء تدور في عقلي و فجأه و كأن الأموال تبخرت أو إحترقت فلم يبق منها إلا دخان
بقيت على هذه الحال حتى جاء موعد النوم و في الصباح و كأني كنت أحلم بما فكرت به سابقاً
تعاقد حاجباي و قلت " هو أنا مش هاخلص و اللا إيه "
تطايرت هذه الأفكار مع بخار الماء في حمام ساخن مع بضع شعيرات من رأسي تاركة جذورها و أرضها مهاجرة كما الكثيرين هذه الأيام
برفق أغلقت باب الشقة و أنا خارج لئلا أزعج النائمين و نزلت على عجلة على السلم حتى لا أتأخر و إذ بي أشم رائحة الدخان ( يا ترى دماغي شاطت من الأفكار ؟ )
"بتعمل إيه يا شعبان على الصبح " .. قلتها للبواب كأني ألومه و هو يمسك بفحمة ليشعل بها سيجارة على باب العمارة
"سجاير عالصبح كده يا شعبان"
"معلش يا أستاذ أحمد .. الكيف بجى"
مضيت في طريقي متعجبا و أنا أتذكر شكله و هو ممسك بالسيجارة يدخنها و لا كأنه ملك زمانه بجلبابه المهلهل و شعره الأشعث
تمشيت قليلاً و وقفت أنتظر وسيلة للمواصلات و كعادة البوابين عندنا لئلا يتعبوا نفسهم بوضع مخلفات الشقق في الصناديق المخصصه لشركات النظافة فإنهم يقومون بحرقها و يأخذون هم أموال النظافة ففعلها أحدهم هذا الصباح
إلتفت ناحية الدخان لعلي أرى هذا البواب لأطلب منه إطفائها فإذا بي أجد عامل من عمال نظافة الشوارع يدفع أمامه عربته الشهيرة ممسكاً بمقشته و إذا به ينحني ليخرج ورقة مشتعلة من الكومة لكي يشعل به سيجاراً في فمه !!
يا سلام !!
هززت رأسي في عجب و أشرت لإحدى الميكروباصات و ركبته و كأن الله قد اراد أن يريني كل شرائح المجتمع
جلست بجانب إثنين أحدهما يبدو من الأوراق التي يحملها أنه طالب جامعي و الآخر حرفي يدخن سيجاره فوجدت الطالب يطلب من الحرفي سيجارته ليشعل بها السيجارة في فمه
وجدتني أتمتم بصوت مسموع " هو إيه حكاية الدخان النهاردة ده إستقصاد بقى" .. رد الحرفي " إبقى دور وشك يا أستاذ"
تمتمت في نفسي " اللهم إغزيك يا شوشو مش كل يوم نعملنا خناقة في الميكروباص"
مر الميكروباص بحلوه و مره و ها أنا ذا في طريقي للجلوس على كرسي مكتبي فإذا بالمزعج (تليفوني المحمول) يرن طالباً إياي في الأهرام ( و كأنهم إستعبدوني إذا شاكت أحدهم شوكة طلبوني)
نزلت ذاهبا الى هناك و بعد عدة ميكروباصات (رمسيس بنات بس !!) إستطعت الركوب و الوصول إلى هناك و عند دخولي الى مكان المشكلة متسائلاً ما هي وجدتهم يقولون لي " ما خلاص حليناها دي كانت مشكلة بس في زمن التعريض و إتظبطت يا بشمهندس"
تصاعد دخان الغضب من رأسي و بدا على وجهي أماراته فأبدو بعض الإحراج داعينني الى الجلوس لشرب شيء ما و بمجرد الجلوس أفاجأ بخمس علب سجائر ممدودة أمام عيني قائلين " سيجارة يا بشمهندس" !!
"الحمد لله ما بدخنش" .. " مش مشكلة إحنا بندخن " و في خلال 10 دقائق دخنوا 10 سجائر الى أن تعذرت الرؤسة و تعذر التنفس فخرجت بحجة أن أقوم بعمل مكالمة تليفونيه
خرجت لألعب بعض الـ games على الموبايل و ذهني شارد في النماذج السابقة
أقلب الأفكار يميناً و يساراً عللي أجد معنى أو سبباً أو حتى تبريراً لتلك الحالة العجيبة المستشرية
المهندسين الذين يدخنون لا يبدون بصحة جيده و لا حتى بحال مادية فائقة تجعلهم لا يبالون بما يفعلون !!
و لا الحرفي الذي يجري على رزقه يبدو بحال ميسوره تمنحه حرية هذا التبذير
و لا الطالب أصلاً يملك ماله حتى يصرفه هكذا على دخان و قد تجد ملابسه قديمة أو مهلهلة
و لا عامل النظافة التي يعمل عملاً ذا قيمة كبيره لكنه في دنيانا ذا مكانة حقيرة لا يلقى إحتراما و لا حتى مالاً
و لا البواب الذي يستخسر ماله في تهذيب نفسه و مظهره أو حتى أولاده الذين يتركهم أغلب الوقت إما عاريي النصف السفلي أو العلوي !!
تسائلت كثيراً ما السر ؟
ما السحر الذي يكمن داخل تلك الأسطوانة الرفيعة و الذي يجعل الناس بمثل هذا الضعف و الخنوع أمامها ؟
تسائلت كثيراً و خلصت الى ……
الشعب إتجنن .. بيحرق الفلوس !!!!
ليتني لم أعرف الإجابة
و اللا أقولكم .. هاعمل مش عارفها
و كالعادة .. لست أنتظر الإجابة !!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق